صدى عدن / الخليج / 03 / 03 / 2010
تزامن يدفع المفارقة إلى أقصاها بين ذكرى الوحدة بين مصر وسوريا وما يحدث في اليمن شمالاً وجنوباً، وما يبث أيضاً عن أسباب الانفصال كما يرويه عبدالكريم النحلاوي، فالزمن لم يتوقف عند تلك الوحدة، سواء تعلقت بمصر وسوريا أو شمال اليمن وجنوبه، كما أنه لم يتوقف أيضاً عند لحظة الانفصال، لكن البعض يتعاملون مع التاريخ على نحو افتراضي، ووفقاً لقراءات أحادية البُعد، بحيث يبدو إخفاق تجربة في الوحدة كما لو أنه اخفاق الوحدة جذرياً وفي كل الأزمنة والأمكنة. إن هناك فارقاً يتعذر القفز عنه وتخطيه بين ما يحدث بالفعل وما هو ممكن الحدوث.
فالتاريخ البشري من أحد وجوهه هو متوالية من الأخطاء، لكنها الأخطاء التي تتيح للإنسان أن يتفادى تكرارها ويعتبر بها ويحولها إلى دروس، وليس من حق أحد، سواء كان صانعاً للأحداث أو قريباً من صانعيها أو مؤرخاً أن يزعم بأنه يحتكر الحقائق. فلكل واقعة مهما صغرت أو كبرت زوايا وأبعاد لا يحيط بها تماماً وعلى نحو بانورامي إلا من تجرد عن الهوى، وتحرر من سطوة الاسقاطات السياسية أو التفكير الرغائبي، الذي يلوي عنق التاريخ كي يلبي نواياه وما يشتهي.
إن ما يقال عن ذكرى الوحدة والانفصال يذكرنا بسجال دار ذات مناسبة حول المفاضلة السياسية بين يوم ميلاد عبدالناصر ويوم رحيله وانحاز المتفائلون إلى يوم الميلاد، أي إلى غسق التجربة وليس إلى شفقها وبالتالي غروبها المؤقت.
بالطبع كان لتجربة الوحدة بين القاهرة ودمشق أخطاء، منها ما هو فردي ومنها ما تعلق بالسياق كله في تلك المرحلة، لكن هناك نصفاً ثالثاً للزجاجة التي طالما نظر إليها على أنها نصف ممتلئة أو نصف فارغة، هذا النصف الثالث هو التراجيديا بأعمق معانيها التاريخية والوجدانية، فالوحدة كشعار أو نشيد لا تتبقى على حالها من الطهرانية ورومانسية التصور، شأن كل شيء آخر في حياتنا، فالحب ليس هو الزواج بأية حال، لأن الحديث عن الورد يصبح حديثاً عن الرغيف، وحليب الأطفال وكراريس المدارس وأقساطها وعيادات الأطباء، وكل فكرة مهما تسامت وقاربت القداسة سرعان ما تعلق بها الشوائب لمجرد الهبوط إلى الواقع، فالمتخيل ليس كالمحسوس باليد والمرئي بالعين المجردة، وهناك حكاية تروى كأمثولة في هذا السياق عن قس إيرلندي تحول إلى بطل قومي ورمز، بحيث أوشك الناس أن يخلعوه من جذوره البشرية والأرضية ويضعوه بجوار الملائكة، وحين وقع هذا القس في أول خطأ بشري انصرف الناس والحواريون عنه، وعندما سئل ذات يوم عن السبب أجاب بأن الخطأ لم يكن خطأه هو، بقدر ما هو خطأ التصور المجرد له باعتباره كائناً تجاوز شرطه البشري.
والوحدة بين بلدين أو أي طرفين في العالم ليست رقصة تانغو، إنها اشتباك بين رؤى ومناهج، قد يؤدي هذا الاشتباك إلى انفصال أو يفرز بعداً ثالثاً يحول رذائل الاختلاف إلى فضائل. وليس مهماً الآن نبش القبور والملفات التي غمرها غبار الزمن، بقدر ما تكون الأهمية في لحظة ما، للتزامن بين ذكريات الوحدة وشجون الانفصال.
التعليقات(0)