صدى عدن / بقلم : د. محمد عبد الملك المتوكل / 21 / 07 / 2010
استعرض المقيّلون كل أزمات اليمن ومشاكلها من صعدة وحتى الضالع ومن مأرب حتى حضرموت، ومن الاعتقالات وحتى التعذيب، ومن الكهرباء حتى دبات الغاز، ومن فقر الأغلبية المدقع إلى ثراء الأقلية الفاحش، ومن الفساد المالي والإداري إلى الاختلالات الأمنية، ومن القاعدة إلى عبيدة وبلحارث، والمهم شعر ولبان ليس لها طرف ولا وجه ولا قفى لا تدري من أين تبدأ ولا إلى أين تنتهي.
اختمر القات واقتربت الساعة السليمانية ولاذوا بالصمت مع الرغبة في الاستماع إلى رأي غير مخزن، فسألني أحدهم: ما رأيك.. ما الحل؟
قلت: إذا شئتم رأيي فليس هناك سوى طريقين للخروج من النفق وتفادي الكارثة. الطريق الأول وهو الأقل كلفة والأكثر أماناً هو أن تتوفر إرادة سياسية لدى النخبة الحاكمة لبناء الدولة اليمنية الحديثة المؤسسية الديمقراطية.
أما الطريق البديل فهو تشكيل كتلة إنقاذ وطني تعمل على تنمية الإرادة الشعبية الضاغطة التي تفرض التغيير وتنجز بناء الدولة اليمنية الحديثة المؤسسية الديمقراطية رغم الميزات التي يحققها توفر الإرادة السياسية للنخبة الحاكمة إلا أنها الأكثر تعقيداً والأقل احتمالاً، فالقرار السياسي يؤثر في صناعته قوى متعددة المفاهيم مختلفة الاتجاهات محدودة الأبعاد، محكومة بمصالح غير مشروعة لا تتوفر في ظل الدولة الحديثة المؤسسية الديمقراطية، فإذا ما سلمنا أن مركز القرار هو الرئيس علي عبدالله صالح فإننا لا نستطيع أن نستبعد عدداً من الحلقات التي تؤثر في القرار، سواء في صناعته أو في تعطيل تنفيذه إذا لم تكن راضية عنه الحلقة الأولى أحمد علي ويحيى وطارق وتوفيق وعمار ومحمد صالح الأحمر، الحلقة الثانية علي محسن الأحمر وآل القاضي وآل الضنين وآل مقصع وآل مقولة، الحلقة الثالثة بورجي والشاطر والراعي وعلي الآنسي وغالب القمش، الحلقة الرابعة الإرياني ورشاد العلمي وعبدربه وعبدالقادر وهلال وعبدالعزيز عبدالغني، الحلقة الخامسة القوى الإقليمية والدولية، والحلقة السادسة مراكز القوى داخل المؤتمر الشعبي والبرلمان ومجلس الشورى ومجور وحكومته.
لكل حلقة من هذه الحلقات الست درجة في التأثير على القرار سواء في صناعته أو تعطيله.. وهذه هي مشكلة حكام الدول النامية الذين يصرون على احتكار السلطة والثروة حيث يضطرون إلى إحاطة أنفسهم بقوى تشكل لهم الحماية وقوى انتهازية تُستخدم في خدمة. الغير كل حلقة من هذه الحلقات تسعى لتشكيل حلقة تتقوى بها، وتتواصل الحلقات حتى أسفل السلم، ولكل نصيب غير شرعي في الكعكة. وبمرور الأيام يصبح الشخص الأول أسير هؤلاء معزولاً في قمته؛ لا يرى إلا بعيونهم ولا يسمع إلا بما يهمسون به في أذنه، وحين تسوء الأوضاع كنتيجة للفساد واحتكار السلطة والثروة وتصاعد الحراك الاجتماعي الساعي إلى التغيير يجد الشخص الأول نفسه عاجزاً عن إصلاح الأوضاع ويخشى أن يتجاوز هذه الحلقات حتى لا تطيح به، وإذا فكر في تجاوزها فإنه يخشى على نفسه من المجتمع الذي أساء إليه، وهذا ما حدث لزياد بري ومانجستو وسموزا وماركوس وشاوشكو وسوهارتو وولد الطايع إلى آخر القائمة. يقول الدكتور عبدالعظيم رمضان في كتابه "تحطيم الآلهة" "لا يستطيع أي حاكم مطلق في نظام شمولي دكتاتوري أن يكون حاكماً مطلقاً بالمعنى الحرفي، فهو حاكم مطلق بالنسبة للرعايا ولكنه حاكم محدود السلطة بالنسبة لمراكز القوى التي تحيط به". ويقول الدكتور عبدالعظيم "إن الحاكم المطلق في النظم الدكتاتورية هو حاكم خاطئ في معظم الأحيان، وهو حاكم خائف في كل الأحوال، وهو حاكم مسلوب السلطة في كل ما يمس جوهر النظام وأركانه والمصالح التي تأسست عليه". وعليه فإن احتمال توفر الإرادة السياسية للنخبة الحاكمة داخل هذا الخليط من مراكز القوى ضعيف ويمكن قياس ذلك على ما يجري في قضايا ثلاث: محاربة الفساد، حرب صعدة، المواجهات في الجنوب، فبالنسبة للفساد لقد بني النظام على قاعدة الفساد ولو أراد صاحب القرار إزالة حجر واحدة لانهار النظام كله.
وكذلك الأمر بالنسبة لحرب صعدة، لقد شكلت الحرب مصالح كبيرة لعدد من مراكز القوى وخلقت تحدياً لدى بعضهم من الذين يرون القِمر أهم من أرواح الجنود والمواطنين.. وللأيدلوجيين مصلحة وعز عليهم أن يفشل مسعاهم.. هؤلاء جميعاً يعطلون بكل وسيلة أي قرار لإنهاء الحرب.. ويصدق الأمر نفسه بالنسبة للجنوب والتي يصدق عليها "مصائب قوم عند قوم فوائد". ومن مراكز القوى من له مصالح ضخمة في الجنوب حصل عليها كغنيمة حرب وغير مستعدين لمناقشة أي حلول يحتمل أن تؤثر على مكاسبها وعلى جزء منها. وهكذا يصبح قرار النخبة في الإصلاح شبه مستحيل وبشكل خاص في ظل قوى عقلها في رأس دبابة وفوهة بندق، وهي وسيلتها لفرض إرادتها ولو كانت على رأي الإمام أحمد "أعوج من ذيل الكلب".
لكل ما سبق يصبح تنمية الإرادة الشعبية هي الطريق المحتمل رغم مشقته، وهو يتطلب قوى تغيير جادة تنتقل من التمني في حل سلطوي إلى خيار الحل الشعبي، ويكون لديها العزم والاستعداد لتحمل مشقاته وتضحياته، وحتماً سوف يستجيب القدر، على رأي أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر
والله عز وجل يقول: «وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون» صدق الله العلي العظيم.
التعليقات(1)
Son of Hadhramout
Dear Dr Mutawakel Thanks for a well written account. I find it surprising for a scholar like you being part of AlMushtarak, lately portrayed actions of implicit support to the regime - I do not understand this contradiction