د. هشام المعلم
في محاولة لاجترار عرس لحظي كاذب وبهجة زائفة, لرسم الابتسامات على وقع زهو مرجو لكنه مصطنع لمن لهم كل الحق بالفخر والزهو بمسار ثورتهم السلمية الرائعة عبر أكثر من أربعة أشهر, فكانوا كمن يشتري فرحة معلبة لا طعم لها أو لون تم جلبها من أقرب دكان لأنها ليست نابعة من صميم الفؤاد, على إثر العمل الإرهابي المدان والمرفوض من الجميع المتمثل في تفجير مسجد النهدين بقصر الرئاسة والذي أسفر عن الكثير من القتلى والجرحى من ضمنهم رئيس الجمهورية وكبار مسئولي النظام, العمل الإجرامي الذي سعى إلى إنهاء النظام بذات الطريقة التي اعتادت عليها الأنظمة العربي المتعاقبة (طريق الاغتيالات والتصفية والانقلابات) وأي مستقبل ذلك الذي يُرجى العبور إليه عبر جسر الاغتيال., وكأنها لعنة أزلية تلك التي عجزنا بجهلنا عن فك طلاسمها.
ذلك العمل الإجرامي الذي أثار الكثير من الأسئلة وأكتنفه الكثير من الغموض تاركاً الشارع السياسي في الداخل والخارج لسيلٍ جارف من التحليلات والتكهنات والتفسيرات دون نتيجة جلية وحقيقة واضحة تكشف خبئ ما حدث وكيف ومن وراءه؟ , ذلك العمل الذي لا يعقل أن يقبله أو يفرح به ثوار السلمية وأنصار الثورة التي قامت أصلاً للقضاء على كل مظاهر العنف في سعيها نحو شط أمان الدولة المدنية.
ابتهاجاً زائف بانتصار الثورة في ذات الحين الذي ترزح فيه أبين زنجبار تحت وطأة الضربات العسكرية والقصف المدفعي والطيران الحربي وسطو العصابات الإرهابية المسلحة, ونزوح الآلاف من المستضعفين والمغلوبين على أمرهم حتى أن أكثر من 200 أسرة هُجرت إلى طور الباحة حيث تلقفتهم الوحشة هناك بلا مأوى يعالجون صنوف المرارات والحرمان تحت قيض الظهيرة و وحشة الأمسيات الطويلة لا يملكون حتى الخيام التي تظلهم أو أكواخ القش التي يلتمون تحتها ولا أدنى متطلبات الحياة الضرورية من غذاء ودواء وماء صالح للشرب, وليظهر علينا أنصار النظام في ليلةٍ هوليودية مرعبة ينفقون فيها ملايين الريالات في العاصمة وغيرها من المدن والقرى في اقتناء فرحة أخرى كاذبة كتلك التي في ميدان التغيير ولكن بطريقة تُفرغ مكبوت التوحش والحقد والعنجهية بإطلاق الأعيرة النارية من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة والألعاب النارية في ليلة لم يشهد لها اليمن مثيل أرعبت السكان وأجهضت الحوامل وأسفرت عن إصابة العشرات براجع الطلقات من سماء بهجتهم الزائفة لتماثل قائدهم المحبوب للشفاء, ولو أن هذه الأموال الطائلة أنفقت على متضرري ونازحي زنجبار لكان لها وقع الفرحة الحقيقية ولمداواة الكثير من الجروح المتجذرة في نفوسهم.
ابتهاجاتٌ في ساحة التغيير في ذات الوقت الذي لا زالت فيه تعز ثائرة تُصادر فيها آدمية قاطنيها وتُذبح مدنيتها على يد رب التوحش والمناطقية الجديد قيران وزعيم التجهيل العوبلي الذي لم يسلم من توحشه قصفه حتى سكن أساتذة التدريس في الجامعة, وإرهاب ونهب وانتهاكات العصابات المسلحة, ورعب الاشتباكات بين أنصار صالح والقبائل المقاومة المناصرة للثورة .
فرحة بنصر زائف ولازال كل يوم يمر يحمل في طياته ضحايا قتل وعنف وانتهاكات وسطو في كل مكان ولازالت الأجهزة الأمنية والعسكرية تتفرد بقيادتها أفراد الأسرة الحاكمة وكل المرافق الخدمية تأتمر بأمرها فتشح الخدمات الأساسية للمواطنين فلم تعد تزورهم إلا رمزا كالماء والكهرباء والغاز والمشتقات النفطية فيما يتم توزيعها حسب الرغبة والولاء والبراء, والقائم بأعمال رئيس الجمهورية لم يستلم السلطة فعليا ولم تحدث على يديه حتى الآن أشياء ملموسة تذكر على أرض الواقع سوى تلك الهدنة القائمة بين قوات الرئيس وأنصار الشيخ الأحمر والتي لم تكن لتحدث حقيقة إلا نتيجة للضغوط السعودية التي لا يجهلها أحد.
ولا زالت أجهزة الإعلام على حالها تواصل مشوار الكذب والزيف والتضليل عبر جلاوزة الدجل و أرباب التهريج.
لقد عرت الثورة النظام و كسرت شوكته لكنها لم تسقطه , و حققت بعض المكاسب لكنها لم تحقق حتى الآن شيء من أهدافها المعلنة. ربما لم تحقق أهدافها حتى الآن لكنها حققت الكثير من المكاسب التي يجب استثمارها, و التي من أهمها ترسيخ مشروعية الثورة و إمكانية التغيير و تقبل الوعي اليمني لذلك حتى أن القبيلة أصبحت الآن جاهزة نسبياً للاندماج في الدولة المدنية الحديثة وأصبح الغالبيةُ من مختلف الشرائح و التوجهات يؤمنون بحتمية الدولة المدنية و يسعون لتحقيق هذا الحلم.
ثورة بينت المعدن الأصيل للشعب اليمني و نبل أخلاقه و لكنها أيضا كشفت أكثر جوانب السوء المتجذر في بعضه.
ثورة أظهرت للعالم بشاعة النظام الحاكم لكنها كشفت أيضا عن مدى براعته و حنكته التي استغلها في الحفاظ على الكرسي لا غير.
ثورة أظهرت للعالم مدى قدرة الشعب اليمني على ممارسة فضيلة الصبر حد الملل.
ثورة أظهرت توق القبيلة للتحضر وسعيها الجاد في ذلك ورغبتها الحقيقية لتجنب سفك الدم والتخلص من الكثير من العادات الموروثة و المُكتسبة السيئة.
كما كشفت الوجه الحقيقي للكثير من الحقوقيين والصحفيين ودعاة التحرر من الأكاديميين وعرتهم وأظهرت مدى قبح طويتهم حين تجلت شمس الحقيقة فنكصوا على أعقابهم يبتغون السلامة و يطلبون ود النظام ضاربين بكل تنظيراتهم القديمة عرض الحائط, و معرضين عن كل ما حدث من انتهاكات من قِبل النظام في مواجهته للثورة الشعبية السلمية.
ثورةٌ نجحت في وأد ريح المناطقية النتنة التي لازال الكثير من المغرضين والمتثاقفين يحاولون جاهدين على إحيائها .
وأخيراً , لنا أن نقول إن التغييرات في مجريات الأحداث و ما يحدث الآن على أرض الواقع ينبأ بكارثة خطيرة توجب على الجميع الوقوف في وجهها و تحكيم العقل و مراعاة مصلحة الوطن و السعي الصادق نحو تحقيق أهداف الثورة السلمية التي جرحت لكنها لم و لن تعجز و تعثرت بقلة الوعي و التفاف أرباب المصالح الشخصية.